صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

15

تفسير القرآن الكريم

في وضع الحساب ، متفرد بالأولية والانقطاع عن غيره في وضع الحروف ، ويشير استقامته وعدم تغيره في جميع الأحوال إلى عدم تغير المبدإ تعالى عن الوجود الوحداني أزلا وأبدا ، وبأن « الألف » مصدر جميع الحروف ، فان من استقامة خطه يخرج كل حرف معوّج ، ثم في « اللام » « والميم » المتصل كل حرف منهما بالآخر اثبات أن كل موجود سوى الوحدة موصوف بالاثنينية ، وانه كمثل الوحدة في الوجود ، فالصفوة المشار إليها في « ألم » هي ان « الألف » يشير إلى وجود حقيقي كامل في ذاته وصفاته ، موجد للموجودات التي لها وجود ناقص مفتقر إليه قائم به ، وهو الفاعل والحاكم والمتصرف فيها . و « اللام » يشير إلى معنيين : اثبات ونفى ، فالإثبات يشير إلى لام التمليك ، يعني له ما في السماوات وما في الأرض ملكا وملكا ، فعلا وصنعا . وبالنفي يشير إلى لاء النفي ، يعنى لا وجود لشيء حقيقة إلا له . و « الميم » أيضا يشير إلى معنيين نفي واثبات ، فالنفي يشير إلى ماء النفي يعنى ما في الوجود حقيقة إلا هو ، وبالإثبات يشير إلى اسمه القيوم ، يعني هو القائم بنفسه ، والمقيم والقيّام لغيره ، فالغير محو في إثبات قيوميته وديموميته ، فهو على الحقيقة كاين كما كان ، بلا مكان ولا زمان ، ودليل هذا التأويل للسر والصفوة في هذه الحروف ، ما أظهره اللّه سره المكتوم فيما بعده في سورة آل عمران ، وهو قوله : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [ 3 / 2 ] وممن تصدّى لاستكشاف أسرار هذه الحروف المقطعة شيخ فلاسفة الإسلام أبو علي بن سينا ، في رسالة عملها لبيان هذا المرام ، ولعمري انه قد بالغ في تطبيق رموز هذه الحروف على عظائم الأمور الإلهية التي ناسب ذكرها وتعظيمها والإقسام بها في أوائل السور القرآنية . وملخص ما ذكره بعد تمهيد الكلام - طوينا ذكره مخافة الإسهاب - هو انه ينبغي أن يدل بالألف الواقع أولا في الترتيب القديم - وهو ترتيب أبجد هوز - على الباري ، لكونه أول الموجودات ، وبالباء على العقل وعالمه لأنه يتلوه في الموجود و « بالجيم » على النفس وعالمها ، و « بالدال » على الطبيعة وعالمها . هذا إذا أخذت هذه الموجودات